المستشار سعد الحميدي

لماذا ينهار قادة ناجحون؟ أنماط الانزلاق القيادي ومؤشراته المبكرة

لماذا ينهار قادة ناجحون؟ أنماط الانزلاق القيادي ومؤشراته المبكرة

أربعة أنماط، وفارق ثقافي لا يُلتفَت إليه

مركز القيادة الإبداعية (CCL) يوثّق أنماط الانزلاق القيادي منذ عقود. أجرت الباحثتان Leslie وVan Velsor عام 1996 مقارنة منهجية بين أسباب الانزلاق في أوروبا والولايات المتحدة: “مشكلات العلاقات الشخصية” تصدّرت في كلا السياقين، لكن بفارق دالّ — 64% في أوروبا مقابل 50% في الولايات المتحدة. “الإخفاق في التكيّف” جاء ثانياً بأرقام متقاربة. الفارق الأوسع ظهر في “الإخفاق في بناء الفريق”: 24% فقط في أوروبا مقابل 40% في أمريكا.

هذا التفاوت يحمل نتيجة مهمة: الانزلاق القيادي ليس ظاهرة عالمية موحّدة، بل يتشكّل جزئياً بحسب السياق الثقافي والتنظيمي. في بيئة العمل الخليجية، حيث تلعب شبكة العلاقات والهيبة والحساسية للكرامة أدواراً مختلفة عن السياقين الأمريكي والأوروبي، الأنماط الكلاسيكية تحتاج قراءة محلية. عبر أكثر من 1,500 ساعة كوتشينج مع أكثر من 250 قائداً في الرياض، الملاحظة المتكررة أن “مشكلة العلاقات الشخصية” هنا تأخذ شكلاً أدق: ليس غياب المهارة العلائقية، بل تراكم مجاملات لم تُقَل بصراحة حتى تحوّلت إلى مسافة صامتة بين القائد وفريقه. القائد نفسه يشعر أن شيئاً تغيّر دون أن يستطيع تسميته، لأن ما تغيّر ليس حدثاً بل نمط تواصل تراكم على مدى أشهر.

هذا التمايز الثقافي له أثر عملي مباشر: برنامج تطوير قيادي مستورد حرفياً من أدبيات غربية قد يُشخّص “ضعف بناء الفريق” في قائد سعودي بينما المشكلة الفعلية أقرب إلى تراكم مجاملة صامتة لم تتحول إلى صراحة بنّاءة. القراءة الدقيقة للنمط المحلي شرط أول قبل اختيار أداة التدخل.

الإسقاط: المؤشر الأصعب اكتشافاً من الداخل

أضاف Bovey وHede لاحقاً أن الإسقاط (Projection) هو أقوى مؤشرات الانزلاق قبل وقوعه إحصائياً، بارتباط قدره 0.32، وهو الأصعب اكتشافاً بالذات لأنه يجعل القائد يُشخّص في الآخرين ما هو في حقيقته نمطه الخاص. القائد الذي يشكو مراراً من “ضعف المبادرة” في فريقه، بينما هو من صادر كل قرار صغير خلال العامين الماضيين، مثال نموذجي. الإسقاط لا يُكتشف بالتأمل الذاتي وحده؛ يحتاج مرآة خارجية محايدة لا تحمل مصلحة في العلاقة، لأن العقل الذي أنتج النمط هو نفسه الذي يُطلب منه رصده.

الإنذارات المبكرة: ما يظهر في الهدوء وما لا يظهر إلا تحت الضغط

بعض الأنماط قابلة للاكتشاف المبكر لأنها تظهر في السلوك اليومي تحت ضغط طفيف: المبالغة في التحكم، الانسحاب العلائقي، الانتقاد الزائد، البحث المفرط عن الإجماع، الحساسية المرتفعة للنقد. لكن الأنماط التي تُثبت نفسها كمؤشرات انزلاق فعلي — الإسقاط على رأسها — تحتاج لحظة ضاغطة حقيقية لتنكشف بوضوح: فشل علني، إقصاء مباغت، أزمة تنظيمية، خسارة مكانة. هذا يعني أن تقييماً نفسياً يُجرى في وقت الاستقرار قد يُقلِّل من حدة نمط لا يظهر بوضوح إلا تحت ضغط استثنائي، وهو بالضبط اللحظة التي يصبح فيها الانزلاق مكلفاً.

الأدوات النفسية إذن ليست كرة زجاجية بل خرائط احتمالية: تُشير إلى المناطق الأكثر عرضة للانزلاق وتُحدِّد الظروف التي قد تُفعِّلها. العمل الحقيقي يبدأ حين تُبنى خطة تطويرية تُعلِّم القائد كيف يُلاحظ نفسه لحظة الضغط، لا فقط أن يعرف نمطه في وقت الهدوء. سؤال بسيط يفتح هذا الباب: في أصعب ثلاثة مواقف مررتَ بها في الأشهر الثلاثة الأخيرة، ما الذي وجدتَ نفسك تلوم عليه الآخرين؟ الإجابة عادة تُضيء الأنماط الدفاعية الفعلية بصدق أعمق مما يُنتجه أي تقرير نفسي في وقت الاستقرار.

بين “موظف إشكالي” و”قائد منزلق”

كلا الحالتين مُكلف على المنظمة، لكن آلية التدخل مختلفة جذرياً. الموظف الإشكالي: مشكلة سلوكية قابلة للتوصيف والتعديل ضمن الإطار الإداري القائم — محادثة أداء، ضبط توقعات، إطار تصحيحي. القائد المنزلق: نمط راسخ تكرّس مع الترقي وتراكم النجاح، يحتاج استثماراً أعمق في الوعي الذاتي وإعادة تعريف جوهرية لمفهوم “ما يعني أن تكون ناجحاً”. الخلط بين الحالتين شائع، والخطر أن يُعامَل الانزلاق العميق كمشكلة سطحية تُحل بمحادثة واحدة، فتعود الأنماط ذاتها بعد أشهر معدودة، وقد تتضاعف كلفتها لأن المحيط فقد الثقة في جدوى أي تدخل لاحق.

ما تكشفه أدوات هوغان — وما لا تكشفه

أدوات Hogan (HDS · HPI · MVPI) تعمل على مستويات مختلفة: HDS يلتقط أنماط الانزلاق في لحظات الإجهاد وانخفاض الضبط الذاتي، HPI يقيس أسلوب التعامل اليومي مع العالم والآخرين، وMVPI يكشف القيم المحرِّكة العميقة التي تُشكّل القرارات دون أن تُصرَّح. أطر تطويرية مثل دليل PDI (Ninth House) تُترجم هذه المعطيات إلى سلوكيات مرصودة وأهداف تطويرية قابلة للقياس، فتُنظّم الكفاءات القيادية في إطار سلوكي يمكن ملاحظته وتطويره بدل أن يبقى وصفاً نفسياً مجرداً.

لكن ما لا تلتقطه أي أداة نفسية بمفردها هو الديناميكية السياقية: كيف يُعبّر نمط معين عن نفسه مع مدير بعينه، في ثقافة قطاع محدد، تحت ضغط استثنائي لا في وقت الاستقرار. هذا الفراغ السياقي هو ما يجعل الكوتشينج ضرورياً بعد التقييم لا اختيارياً؛ الأداة تصف النمط وتُقدِّر قوته، لكن الكوتشينج يستكشف أين وكيف ومع من وفي أي ظروف يظهر هذا النمط فعلاً في حياة القائد. تمرين بسيط يُحوِّل الوصف النفسي من تقرير مُجرَّد إلى مرجع حيّ: اختيار مقياس واحد مرتفع في تقرير هوغان وربطه بموقف محدد حدث هذا الأسبوع، لا في الماضي البعيد.

مديرك المباشر يصنع تطورك — أو انزلاقك

دراسة CCL حول أثر الدعم الإداري على التطوير القيادي قاست فجوة دالّة: القادة الذين حظوا بدعم مديرهم المباشر حقّقوا 8.1 من 10 في الانخراط والفاعلية القيادية، مقابل 6.5 من 10 لمن افتقر لهذا الدعم. والأثر تجاوز الفرد؛ 79% من المنظمات التي قدّمت دعماً قيادياً فعالاً أبلغت عن تحسّن في الفاعلية التنظيمية الكلية، مقابل 63% فقط دون هذا الدعم. هذا يقلب منطقاً مؤسسياً شائعاً يُعامل التطوير القيادي كاستثمار في الفرد المُرشَّح وحده، ويُبقي مديره المباشر خارج المعادلة كلياً.

الحالة الأصعب هي حين يكون المدير المباشر نفسه مصدر إسهام في الانزلاق: يُعزِّز سلوكيات معينة بصمت، يُكافئ الامتثال ويُعاقب التحدي، أو يُقدِّم نموذجاً قيادياً يعيد إنتاج الأنماط ذاتها. في هذه الحالة، أفضل برنامج تطوير لن يُحدث تحولاً مستداماً ما لم تُعالَج البيئة التي يعود إليها القائد بعد كل جلسة. إذا كنت مديراً مباشراً لقائد صاعد، السؤال الحاسم ليس “هل أرسلته إلى برنامج تطوير؟” بل “هل البيئة التي يعود إليها بعد كل جلسة تُعزّز ما يتعلّمه أم تُلغيه بصمت؟”

أربع خطوات تبدأ بها هذا الأسبوع

الانزلاق القيادي لا يبدأ بخطأ كبير؛ يبدأ بتراكم صامت من إشارات صغيرة تُهمَل لأن صاحبها ناجح. راجع آخر ثلاثة مواقف واجهت فيها احتكاكاً مع فريقك، واسأل: هل لمتَ الآخرين على نمط قد يكون نمطك أنت؟ اطلب تغذية راجعة مباشرة من شخص واحد لا يخشى مصارحتك، وليس من يميل لإرضائك. إذا كنت في مرحلة انتقالية — ترقية، توسّع مسؤوليات، إعادة هيكلة — صمّم مساحة تُراجع فيها أنماط ضغطك قبل أن تتكرس. لا تنتظر الأزمة لتطلب مرآة خارجية محايدة؛ الأزمة تكشف النمط لكنها تُكلّف أكثر بكثير من الوقاية.

بعد 16 عاماً في القيادة المؤسسية — شملت إدارة المواهب في مؤسسة مالية حكومية كبرى — وأكثر من 1,500 ساعة كوتشينج تنفيذي مع أكثر من 250 قائداً، الملاحظة الثابتة أن القادة الذين يطلبون هذه المرآة مبكراً هم من يتجاوزون الانزلاق قبل أن يتحول إلى انهيار مهني.

ابدأ بجلسة استكشاف مجانية لتبدأ بقراءة أنماطك القيادية الخاصة.

المصادر

Leslie, J. B., & Van Velsor, E. (1996). A Look at Derailment Today: North America and Europe. Center for Creative Leadership (CCL). — Bovey, W. H., & Hede, A. (2001). Resistance to organisational change: the role of defence mechanisms. Journal of Managerial Psychology. — Hogan Assessment Systems: Hogan Development Survey (HDS)، Hogan Personality Inventory (HPI)، Motives, Values, Preferences Inventory (MVPI). — Personnel Decisions International (PDI / Ninth House): أطر الكفاءات القيادية والتطوير السلوكي. — Center for Creative Leadership (CCL): دراسة أثر دعم المدير المباشر على فاعلية برامج التطوير القيادي.

حدود الخدمة

هذه جلسات دعم وتأمل وتجارب استشارية، تمتد عبر إدارة الفريق، والحيوية البدنية، والاستقلال المالي، والبناء الشخصي والروحي، وإدارة الانفعالات، وتطوير قادة المنظمات — وهي في مجملها ليست خدمة طبية ولا نفسية...